الشيخ محمد رشيد رضا

48

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * ( 111 ) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 112 ) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * * * هاتان الآيتان في بيان حال المؤمنين حق الايمان ، البالغين فيه ما هو غابة له من الكمال ، وضعتا بعد بيان حال المنافقين ، وأصناف المؤمنين المقصرين ، ومنهما تعرف جميع درجات المسلمين ، ولا سيما المتخلفين عن الجهاد في سبيل اللّه إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ هذا تمثيل لاثابة اللّه المؤمنين على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله بتمليكهم الجنة دار النعيم الأبدي ، والرضوان السرمدي ، تفضل جل جلاله وعم نواله بجعلها من قبيل من باع شيئا هو له لآخر ، لطفا منه تعالى وكرما وتكريما لعباده المؤمنين بجعلهم كالمتعاقدين معه كما يتعاقد البيعان على المنافع المتبادلة وهو عز وجل المالك لأنفسهم إذ هو الذي خلقها ، والمالك لأموالهم إذ هو الذي رزقها ، وهو غني عن أنفسهم وأموالهم ، وانما المبيع والثمن له وقد جعلهما بكرمه لهم ، وقوله يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ بيان لصفة تسليم المبيع وهو انهم يقاتلون في سبيل الحق والعدل الموصلة إلى مرضاته تعالى فيبذلون أنفسهم وأموالهم فيكونون اما قاتلين لأعدائه الصادين عن سبيله ، وإما مقتولين شهداء في هذه السبيل - قرا الجمهور بتقديم ( يقتلون ) المبني للفاعل ، وحمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول ، فدلت القراءتان على أن الواقع هو أن